الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وكافة المرسلين وعباده الصالحين
في يوم جميل من أيام الله الخواليا ، خرجت أبحث عن السكون وراحة البال والسكينة بعيدا عن ضوضاء المدينة وصخبها ، كان الجو صحوا وزرقة السماء تغطي الآفاق ، جلست تحت ظلال شجرة صفصاف كبيرة وارفة الأغصان وهي تتمايل بفعل الرياح فتحدث فجوات تتخللها خيوط الشمس الذهبية فتزيد المكان بهجة ورونقا ، كان حقا مشهدا رائعا وأنا أتأمل من الأعالي تلك الروابي الممتدة بعيدا والجبال المتناثرة هنا وهناك فوق بساط شديد الخضرة ، كانت الطيور تحلق في حبور وهي تعانق أغصان الأشجار في وداعة وتشدو في حنو وتطرب طرب حفيف الأشجار الذي يلفها فتوقظ سمعي المرهف ليتقد لدي احساس مفعم تتناغم فيه سنفونية الحياة في بهاء المنظر ووداعة البشرى بين يدي الرحمة .
تمالكني شعور غريب مليء بالشوق والحنين وأنا أتأمل هذا المشهد الرائع فامتد بصري الى آفاق زرقة السماء بحياء ، فحمدت الله تعالى على هذا الانعام وهذه الصورة المتكاملة ، وهذا التناغم البديع والجلي المرسوم بقدرة وتدبير وعناية ، فقلت لنفسي حقا انه الكمال الذي يجعلك تتشوق بحنين وتسمو بمواهبك ومشاعرك الفياضة فتجول بذهنك في هذه المعاني الرحبة والممتدة الى ما لا نهاية محركة كل جزء فيك فيرسم في وجهك ومخيلتك المعنى الحقيقي للحياة وهي تشدو شدوك وتعيش تأملاتك مبدعة تناغما وتكاملا حيا براقا مليئا بكل المعاني السامية .
عشت هذه اللحظات الوديعة في تأمل وسكون ، لحظات مفعمة بالصفاء والطهر ، لحظات عابرة لا رياء فيها ، لحظات تحرك السمع والبصر والقلوب لتبصر حقيقة مرسومة أمامك بقدرة وعناية فتعانقها بشوق ، وتتذوقها بوجدانك وتقرأها قراءتك الخاصة بك مستلهمة بواعثك ، ولكل منا قراءته لصفحات هذا الكون ، فمنهم من قرأ مرآته قراءة جوفاء لا روح فيها ، ومنهم من قرأها قراءة مزدوجة فما عقلها ، ومنهم من قرأها قراءة متدبرة متبصرة فاستجلى حقائق عظيمة عاليها نور وبشرها نور ومحبة وصفاء واشراقات .
وجدت نفسي متوجها الى الحبيب أدعوه بشوق وأناجيه :
الهي ما أعظمك وما أجلك ، الهي حارت فيك العقول والأفهام وأنت غاية الكمال والبهاء والجمال ، الهي ما أجلك وأنت العزيز الذي حجب نفسه في سرادقات عزه ، الهي اني أسألك أن تعصمني من الزلل وأن تجعل لي من الأمل ما ترضاه لي من عمل ، وأن تصفي قلبي وتطهره من كل آفة ، وأن تجمع همتي وتشحذ فكري وتركز مشاعري وتشرح لي صدري باليقين، وأن تقربني اليك ركوعا وسجودا وخشوعا وابتهالا فأنت الغاية والكمال وأنت المطلوب المحبوب وحدك دون غيرك وما من نعمة تجزى وتكافأ الا ابتغاء وجهك الأعلى .
فما أعظم أن يتذكر العبد ربه بين الحسن والعز والبهاء والزهر والماء فلا يرى العبد الا نور ربه ، وما أعظم بصائر نور القلوب فاذا عرفت أطاعت ودنت وتقربت وعلمت غايتها فأقرت بالوفاء والرضا والحفظ والصبر ، فكان نطقها ذكرا وصمتها فكرا ونظرها عبرة .
انها حقا لحظات معبرة عشتها برهة من الزمن في مكان يشهد بالتقديس والتسبيح لله عز وجل ، انها لحظات عابرة لكن شاهدة لعظمة الخالق عز وجل انها تجليات محكمة وحكمة جلية في ظواهر ملكه تدلك على صفات عظيمة راسخة ظاهرة للعيان وشواهد على ملك عظيم ومليك مقتدر
أحسست براحة تسري في جسمي فحمدت الله تعالى حمدا كثيرا على هذه النعمة والسكينة التي أودعها في أوصالي فسرت في مجامع نفسي فسبحان الذي غمرنا بالرحمة رغم قساوة الزمن حيث الحسرة والألم والقسوة والاستكبار والعيش الضنك والقطيعة بين الأرحام وفقد ميزان العدل وكثرة الظلم بين العباد ،فقلت لنفسي سبحان الله ما أعظم طهارة القلوب في هذا الزمن الحالك ،وما أعظم صدق الافتقار الذي يشعر العبد بالعبودية الحقة فيسعى الى رضا ربه والاعتصام به ، والافتقار هو أجل مراتب المحبين
وأصل العبودية، وكم نحن ضعفاء تحت علمه وقدرته ومشيئته ولا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا نشورا ..
وبينما أنا في تأملاتي العميقة مع نفسي ، اذ بي أبصر بين الأشجار والحشائش هرة مستجمعة قوائمها ، وهي جالسة في وداعة وسكينة نادرين وتتأمل بعمق وسكون مثير ومركز ولا يثيرها أي شيء ،و من حولها صغارها قريبين من أحضانها وفي لحظات فهمت عمق هذا الخطاب ،
وانتبهت الى هذه السكينة التي أودعها الخالق في أوصالها برحمته ، ورحمته سبحانه تسري في كل أرجاء وأحشاء الكون وأعماقه ولا تفسر الا بعظات وتفقه القلوب ،
حمدت الله تعالى على هذا المشهد العظيم الذي ظفرت به و الذي فيه من الدلالات العميقة والبليغة ، انه حنين عميق لا يوصف ، يضطرب منه الوجدان وتختلجه قشعريرة تسري في أوصال الناظرين بحنو
وشفقة ومحبة بما حفظ الله تعالى وتنتابها دمعات الحرقة الغالية
وما من عمل يا أحباب الله الا وله وزن الا الدمعة وما اغرورقت عين وفاضت الا من خشية الله
ومعرفة صفاته العظمى معرفة حنوه وشفقته على عباده فهي رحمة لا تجاوزها رحمة ، رحمة من كان أرحم الراحمين الذي كتب الرحمة على نفسه ، يومها لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة .
فسبحان من غمر قلوب عباده الأتقياء بالرحمة والشفقة على خلقه ،
وما أعظم رحمته التي وسعت كل شيء ، ازداد هذا الشعور لدي وتيقظ هذا الاحساس في نفسي وأنا أتأمل هذه المعاني الرحبة للرحمة ومالك خزائنها الرحمن الرحيم الذي ينظر الى عباده وخلقه بعين الرحمة اذ ذاك أدركت حقا من له هذا القدر العظيم الموصوف بالكمال وكيف لا يا أحبابي في الله وهو سبحانه مؤنس القلوب وعلام الغيوب ومنية المشتاقين والذي يتقرب الى أحبائه وهو لهم خير صاحب وأنيس فيا منبع الطهر والقدسية والرحمة والجلال منتهى أمنياتنا في عبادتنا أن ترضى فيا من هو قريب قريب ما أعظمك وما أطهرك وما أجلك وما أعظم ودك لعبادك وخلقك وأنت تطلع على قلوبهم في كل
لحظة وحين فتزيد لهم لذائذ حبك وحلاوة أنسك وتملأهم نورا منك وتنظر اليهم فتمسح برؤوسهم وتضع يدك على ألم قلوبهم وتغمرهم برحمتك وسرك .
بينما أنا مستغرق في تأملاتي ولحظات الغروب تملأ الآفاق ، غمر هذا السكون صوت المؤذن
مهللا ومكبرا الله أكبر ..الله أكبر
فكبرت وحمدت الله تعالى على نعمة الاسلام وهذه الرحمة العظيمة التي أشرق سريانها وامتدت أنوارها في العالمين وتذكرت حبيب الله صلى الله عليه وسلم طبيب القلوب ودواءها الذي كان خلقه الرحمة صاحب الخلق العظيم الذي يخفظ جناحه للمؤمنين بحنو ورحمة فما أطهرك وما أجلك يا حبيب الله يا رسول الله وما أعظم شفقتك على عباد الله المؤمنين حملت الى العالمين رسالة الرحمة من رب العالمين .
وفي سكون أخذت وجهتي الى المسجد ملبيا النداء الحق ، وأنا مستذكر قول الحق سبحانه :
(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ) الآية من سورة فاطر .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق